النويري

445

نهاية الأرب في فنون الأدب

ثمّ ضرب فرسه ، فلحق بالحسين ، فقال له : « جعلني اللَّه فداك يا ابن رسول اللَّه ، أنا صاحبك الذي حبستك عن الرجوع ، وسايرتك في الطريق ، وجعجعت بك في هذا المكان ، وو اللَّه الذي لا إله إلا هو ما ظننت أن القوم يردّون عليك ما عرضت عليهم أبدا ولا يبلغون منك هذه المنزلة ! فقلت في نفسي : لا أبالي أن أطيع القوم في بعض أمرهم ولا يرون أنى خرجت من طاعتهم ، وأمّاهم فسيقبلون من الحسين بعض هذه الخصال التي يعرض عليهم ، وو اللَّه لو ظننت أنهم لا يقبلونها منك ما ركبتها منك ! وإنّى قد جئتك تائبا ممّا كان منى إلى ربّى مواسيا لك بنفسي حتّى أموت بين يديك ! أفترى ذلك لي توبة ؟ » قال : نعم يتوب اللَّه عليك ويغفر لك . قال : فتقدم الحرّ ، ثم قال : « أيّها الأمير [ 1 ] ، ألا تقبلون من الحسين خصلة من هذه الخصال التي عرض عليكم فيعافيكم اللَّه من حربه وقتاله ؟ » فقال له عمر : « قد حرصت ، لو وجدت إلى ذلك سبيلا فعلت ! » فقال : « يا أهل الكوفة ، لأمّكم الهبل [ 2 ] ! دعوتموه حتّى إذا أتاكم أسلمتموه ! وزعمتم أنكم قاتلو أنفسكم دونه ثمّ عدوتم عليه لتقتلوه ! أمسكتم بنفسه وأخذتم بكظمه [ 3 ] وأحطتم به من كل ناحية ، فمنعتموه التوجّه في بلاد اللَّه العريضة ، حتّى يأمن ويأمن أهل بيته ، فأصبح في أيديكم كالأسير لا يملك لنفسه

--> [ 1 ] كذا جاء في المخطوطة ، وجاء في تاريخ الطبري ج 4 ص 325 والكامل ج 3 ص 288 « أيها القوم » وهو أولى لمناسبة ما بعده . [ 2 ] الهبل : الثكل . [ 3 ] الكظم : مخرج النفس ، ويقال « أخذ بكظمه » إذا أصابه بالكرب والغم .